الجمعة، 19 سبتمبر 2025

شذرات من عبق تاريخ صفاقس : أسواق المدينة العتيقة

 


المدينة العتيقة لصفاقس وتطور أسواقها يشكلان امتدادًا حضريًا واقتصاديًا طويل الأمد بدأ رسميًا في منتصف القرن التاسع الميلادي عندما أمر الأمير الأغلبي أبو العبّاس محمد ببناء السور والحي المسوَّر بين سنتي 849 و851 م، وهو التاريخ الذي يؤسّس لنسق تخطيط المدينة وأسواقها الداخلية حول الجامع الكبير والبوابات التاريخية. في هذا السياق تشكلت داخل المدينة العتيقة شبكة من الأسواق المتخصِّصة (الأسواق الحرفية والغذائية والنفيسة) تدريجيًا وليس كلها بقطع زمانية مفصّلة، فبعضها يرجع أصوله إلى العصر الأغلبي نفسه كما في سوق الربع الذي أسس خلال القرن التاسع الميلادي واستمر كقلب تجاري مغطى مخصص للمنتجات النسيجية والريشية لطبقات النبلاء في المدينة، ولقد حافظ هذا السوق على بنيته المغطاة وصفته الاجتماعية عبر القرون رغم تغييرات متعاقبة. الفترة اللاحقة شهدت تشكل الأسواق وتراكمها خلال العصور الوسطى وبخاصة في حكم الحفصيين (القرنين الثاني عشر حتى السادس عشر تقريبًا) حيث ازدهرت المدينة كمركز تجاري إقليمي، فتخصصت شوارع وأسواق داخل الحي العتيق لأنشطة مثل الحدادة والنجارة والبهارات والمنتجات البحرية والزراعية وفق منطق تقسيم المهن الذي نعرفه في المدن المغاربية.
في القرن التاسع عشر شهد نسق الأسواق تحولات مع التدخّلات العثمانية ولاحقًا إصلاحات الولاة والآمرين المحليين؛ مثال واضح لذلك أن سوق المحصولات بباب جبلي أسس سنة 1840م بأمر الوزير الأول مصطفى صاحب الطابع ) فخدم التجارة الزراعية والسلع المحلية المرتبطة بالميناء والمنطقة الريفية المحيطة، ثم تحول تدريجيًا في القرن العشرين إلى سوق يومي للفواكه والخضروات بعد تدخلات بلدية وإصلاحات حديثة. ومع امتداد المدينة خارج أسوارها التقليدية في القرنين التاسع عشر والعشرين، ظهرت أسواق جديدة خارج العتيقة تجسدت في مثال معماري متميز هو سوق القريعة (المعروف أيضًا بسوق المسقّف) الذي بُني خارج سور المدينة أمام باب جبلي وصممه المعماري الفرنسي برنار زيرفوس وتم افتتاحه رسميًا في عام 1952م بتكليف وإنجاز من المقاول محمد قريعة؛ هذا السوق يمثل لحظة انتقالية حيث التقاء الأسلوب المعماري التقليدي والاحتياجات التجارية الحديثة، وقد صُنِّف كمَعلم تاريخي وطني في عام 2000م لما يحمله من قيمة تاريخية وحرفية محلية.
أما أسواق الحرف التقليدية داخل العتيقة، مثل سوق الحدّادين (سوق الحدادين) وسوق العطارين وسوق الأخشاب والأقمشة والسمك، فقد حافظت على استمراريتها العملية والتخصصية عبر عصور متعددة، لكن تواريخ تأسيس كثير منها لا تندرج على تواريخ تأسيس محددة مكتوبة بل هي نتيجة تراكم مهني واجتماعي امتدَّ لقرون؛ لذلك نرى في الدراسات المحلية (مثل أعمال المؤرخين المحليين كعبد الكافي والزواري وغيرها) إشارات لوضعيّات تاريخية عامة أكثر من وجود تاريخ يوم/شهر/سنة دقيق لكل سوق، وهو أمر شائع في المدن الإسلامية حيث ينشأ الحرف ويتبلور التخصيص المهني تدريجيًا عبر الزمن لا بمراسيم تأسيس مفصلة.
في القرن العشرين وما بعد الاستقلال تكيفت أسواق صفاقس مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية: ترسخت أسواق جديدة خارج العتيقة لخدمة النمو السكاني والصناعات (المنسوجات، الأغذية، الأجهزة المنزلية)، بينما دخلت الأسواق العتيقة في موجات ترميم وحماية تراثية منذ إعلان تسجيل معالم المدينة كآثار وطنية بداية القرن العشرين، مما جعل العلاقة بين القديم والحديث في صفاقس ميدانًا لتوازن بين الحفاظ على الطابع التاريخي وتلبية احتياجات المدينة المعاصرة.
خلاصة تحليلية موجزة مفادها أن ولادة نسق أسواق صفاقس كانت مرتبطة مباشرة بتأسيس المدينة نفسها بأمر الأغلبي أبو العبّاس محمد بين 849 و851م، وأن معظم أسواق العتيقة تشكّلت وتخصّصت عبر القرون الوسطى (وخاصة في عهد الحفصيين) ثم عُدِّلت واستكملت في العصور العثمانية والحديثة، مع أمثلة متاحة لتواريخ دقيقة عندما تدخلت مؤسسات أو أشخاص محددون في إنشاء أسواق حديثة خارج الأسوار مثل افتتاح سوق قريعة سنة 1952م وبناء سوق المحصولات بأمر مصطفى صاحب الطابع سنة 1840م، بينما تبقى تواريخ تأسيس بعض الأسواق الحرفية القديمة تقريبية أو متراوحة زمنياً لأن تكوينها كان تطورياً واجتماعياً أكثر من كونه قرارًا موثقًا في يوم محدد.

يقلم / جمال الشرفي

.
. .

 






.

play

Select radio stationSelect radio station

    ليست هناك تعليقات:

    إرسال تعليق

    آخر المقالات

    المشاركات الشائعة